Thursday, January 31, 2008

الضحك في آخر الليل

الضَّحك في آخرِ الليلْ /قصة لعبد الله عبد/كاتب من سورية

لم تستقبل أنفه حينما ولج باب البيت شأنه دائماً عندما يكون الطعام بطاطا، رائحة الزيت والثوم والكزبرة والبصل. عندها فكر بما كانت زوجته قد هوَّت البيت. واجتاز العتبة فانحرفت الزوجة التي كانت واقفة تمسك مقبض الباب لتفسح له الطريق.
كان المدخل معتماً إلا من النور الذي كان يتسلل إليه من الغرفة الداخلية المضاءة.
استطاع أن يلاحظ هيئة زوجته التي رفعت يدها إلى جبينها في تلك اللحظة.

كانت بثياب المنزل العادية فقدر أنها لم تأو إلى فراشها وأنها كانت لا تزال يقظى تنتظره.
قال:
-ألم تنامي بعد؟
قالت:
-انشغل فكري قلقت فلم استطع النوم.
قال:
-ليس هناك ما يوجب القلق.

ومد يده ليغلق الباب وراءه فلمس يد زوجته التي كانت لا تزال تمسك مقبض الباب احس بها يداً دافئة.أبعد يده حالا لكنه مع ذلك شعر بها وكأنها أجفلت من لمسته.
قالت المرأة: قلت الدنيا برد وثيابه خفيفة فلم أستطع النوم.
قال الرجل:
لم يحدث البرد إلا في الليل، في النهار كانت الدنيا دافئة ما ان هبط الليل حتى انصبَّ البرد دفعة واحدة. اين كان مخبوءاً وما هذا البرد اللعين، انتظر حتى غطست الشمس في البحر ثم اندفع شرقيا صامتا مثلجا.
واغلقت المرأة الباب بهدوء وفي فكرها قالت ما ابرد يده انا لم ارَ في حياتي يدا بهذا الشكل.
واستدارت لتلحق بالرجل الذي تقدمها في مدخل البيت.

كان يخطو بهدوء ومن خلفه سارت المرأة في غبش ممر البيت تصغي اليه، كان يتكلم برداً، كان البرد يقطر منه ومن كلماته من خطواته، كان يبدو وكأنه يحمل البرد على ظهره الذي ناء تحت ثقله وكانت رقبته غائصة بين كتفيه قال:
-ثيابي ليست خفيفة لكني لم اعمل حسابي لمثل هذا البرد، في المرة القادمة...
ولم تنتظر المرأة لتسمع اكثر فاندفعت قائلة:
-وهل ستكون هناك مرة قادمة، الا يوجد موظفين غيرك؟
قال:
- بلى يوجد كثيرون لكن كان ينبغي ان ينزل واحد منا فنزلت انا، كان يجب ان يكون هناك مندوب عن المؤسسة ليراقب تفريغ شحنه السكر فوقع الاختيار علي.
وفكر: وقع عليك الاختيار لتشهد تفريغ مئتي طن سكر ولتقاتل مع العمال ليحافظوا على اكياس السكر من التمزق وكي لا تتعرض للنهب ولتصاب انت بكل هذا البرد اللعين وبالجوع والدوار والصداع والعطش.
ووصل الى الغرفة المضاءة فبدا الرجل في النور وجه نحيل اغبر اللون مزرق من البرد متعب غير حليق خفيف شعر الرأس مشعثه صغير الجسم.
واسرعت زوجته فسوَّت غطاء الصوفا ومسدته بيديها ثم مضت الى مشجب علقت عليه ثياب .كان الرجل لا يزال واقفا في وسط الغرفة يداه في جيبه.

وادار نظره عجلى حوله.كان ثمة سريران متقابلان في البيت احدهما انحشر فيه اولاده الثلاثة وقد استغرقوا في النوم. منذ زمان كان يتمنى ان يكون لأولاده الثلاثة اسرتهم الخاصة وغرفتهم الخاصة ولكن العين بصيرة واليد قصيرة كما كان يقول لزوجته .اما السرير الثاني فينام عليه الزوجان.
وتعثرت عيناه بصوبيا اسطوانية منطفئة ولعله كان يبحث عنها دون ان يدري كان يعلم ان مخزونهم من المازوت قد نفذ منذ يومين لكنه كان يتوقع ان يراها مشتعله بقدرة قادر ربما لأنه يحس ببرد شديد وربما بحكم العادة او لأن الصوبيات من المفترض ان تكون مشتعلة في الشتاء.

وفي ثانية اطفأ الصوبيا التي اشعلها في رأسه، وهو هناك في البحر جوعان وبردان وعطشان .كما اطفأ ذؤابة شعلتها الزرقاء المتراقصة. ومحا ظلالها التي رسمها على الجدار.
وقدمت له زوجته منامته التي حملتها من اقصى الغرفة وقالت: الا تخلع ثيابك؟.
قال :كلا ليس قبل ان ادفأ لكني اريد ان اكل انا جائع.
وبحث انفه عن رائحة البطاطا المقلية بالزيت والبصل والكزبرة والثوم.
وقال: لكن سأغسل يدي اولا.

وخلع ممطره والقاه على طرف الصوفا ثم مضى الى المطبخ. وسمعت المرأة من مكانها في وسط الغرفة انفتاح صنبور الماء وقرقعة مائه المتساقط. قالت المرأة في سرها: انا لم ارَ انسانا بردان على هذه الصورة، وخطرت لها فكرة فمضت الى المطبخ قالت يجب ان احضر له الطعام قبلا. غسل الرجل يديه ثم جففهما بفوطة وعاد الى الغرفة جلس على الصوفا ووضع يديه بين فخذيه ليدفئهما وانشأ ينتظر. بعد قليل دخلت المرأة تحمل بين يديها صينيه عليها صحاف الطعام قالت:
-هل اضعهما على الصوفا؟
قال :
-ضعيها على الارض افضل.

وضعت المرأة الصينية على الارض ولم يلبث الرجل ان هبط عن الصوفا وجلس على الارض متربعا وكان تحت بساط رقيق فشعر بالبرودة تسري في مؤخرته القى نظرة سريعة فوق الصينية كانت هناك بطاطا مسلوقة وزيتون وبصلة مملحة ورغيف خبز عادت المرأة الى المطبخ قال الرجل في نفسه متأسفا: طول النهار وانا احضر شهيتي للبطاطا المقلية بالزيت والبصل والثوم والكزبرة و ما من شيء يحدث كما تريد لكنني جائع سآكلها مسلوقةوان كنت افضلها بالطريقة الاخرى. واقتطع مزقة خبز وبدأ يأكل دفع الى فمه لقمة خبز اولا ثم اخذ حبه بطاطا بعد ان ملحها وقضم منها قضمة تبعها بحبة زيتون ورقيقة بصل.

كانت الارض والجدران والسقف تهتز به في حركة موجية ايقاعية. وكان يحس دوارا خفيفا والتقم لقمة اخرى وطيبهابرقيقة بصل .
سمع قرقعة بابور الغاز كانت قرقعة سريعة وعنيفة وتبعها هدير اشتعال سريع قال في نفسه "الف مرة قلت لها خذي حذرك من وابور الكاز احقنيه بلطف العنف والضغط الكثير يفجره".
ومضغ طعامه بقابليه وصمت وفي فكره قال لا اظن ان الوقت مناسب لتطبخ شيئا في هذه الفترة من الليل لعلها تسخن لي ماء للاغتسال انا لا احب الاغتسال في البرد ساقول لها اني بردان واصغى بانتباه لم يسمع قرقعة برميل الاغتسال ولا تساقط الماء فيه قال لعلها تحضر الشاي قدح شاي مع الطعام يساوي الدنيا وما فيها في هذا البرد وماهي الا لحظات حتى تغير وقع الهدير في اذنيه ثم اقترب اكثر ودخلت زوجته تحمل بيدها وابور الكاز الهادر ودهش لحظة ولم يلبث ان فهم ثم تأكد عندما وضعت الوابور صوبه، ايام الشتاء منذ زمان بعيد عندما كان صغيرا هو واخوته كانت امهم تلجأ الى هذه الطريقة حين يخلو البيت من الفحم والحطب واي شيء يشعل كانت تشعل الوابور وتضع فوقه صفيحة معدنية ثم تجمع الاولاد المرتجفين من حوله والان بعد مضي زمان طويل تأتي هذه المرأة الغريبة التي كانت تجهل حيلة امه تأتي وتفعل الشيء نفسه .
فكَّر وهو يلوك طعامه واسرَّ لنفسه كل الفقراء يلجؤون الى بوابير الكاز عندما يعضهم البرد. ورأى في وجه امرأته صورة امه وفي اولاده اخوته وفكر لو لم يكونوا الآن نياماً لتحلقوا حول وابور الكاز الهادر. وهلع قلبه من المستقبل الذي ينتظر اولاده وفكر لكأن الزمن يراوح في مكانه وكأن شيئا لم يحدث على هذه الارض.

قالت المرأة فكرت ان ذلك يدفيء قليلاً.
وهز برأسه موافقا وقعدت المرأة قبالته واستمر في التهام طعامه.
قال: لم تطبخي بطاطا بالزيت.
قالت: طلبت من السَّمان بعض الزيت على الحساب فرفض، وقال لي ما من طلعة الا وبعدها نزله، مرة طلبت من زوجك اربع خمس تنكات زيت نباتي فرفض .لماذا لم تعطه الزيت الذي طلبه؟
قال: كان سيبيعه في السوق السوداء، لم يكن الزيت للباعة كان الامر يقضي ببيعه للمستهلك مباشرة.
قالت المرأة بعد تردد:
لن اتعامل معه بعد اليوم، قال لي زوجك سيموت من الجوع ويميتكم معه فهو لم يتعلم من الحياة شيئاً، قلت له استفد وافد غيرك يا رجل خذ واعط الحياة اخذ وعطاء لكنه ركب رأسه وصم اذنيه فلم يصغ لي.

وتابع ازدراد طعامه بصمت وفي فكره عاد الى تلك الايام التي كان يوزع فيها الزيت النباتي للمستهلكين مئات الكيلوات وزعها طن طنان ثلاثة، وقتها لم تكن هناك بطاقات ولا قيود تلزمه بتقديم كشوف بالتوزيع وقد سعت الثروة اليه انئذ، ساقها اليه غير تاجر من تجار السوق السوداء لو شاء لصار من الاغنياء ولودع حياة الفقر والعوز حدث ذلك في وقت كانت الصفائح الفارغة والطناجر والدلاء وغيرها من الاواني ترتفع اليه بتوسل والحاح من اجل شيء من الزيت وكانه اله يهب الرحمة والحياة، كان عليه ان يختار ان يخيب رجاءها او يرفض الثروة وقد اختار الامر الثاني ركل الثروة بقدمه وملأ الاواني الفارغة المرفوعة اليه بالزيت.
حمار! قال غير واحد ممن سمعوا بقصة الزيت وغيرها، واضافوا الحمير وحدهم لا يفكرون في غدهم.
خطر له ذلك في نفس الوقت الذي حملت فيه زوجته صينيه الطعام بعد ان انتهى من تناول وجبته ومضت بها الى المطبخ وفكر قد اكون حمارا كما يقولون لكني لا اشبه حمارهم بالتأكيد.

وضحك في سره واضاف بالعربي الفصيح هم يعتبرونني حمارا لاني لم اغتنم الفرصة ولم ابع المواد التموينية لتجار السوق السوداء اما انا فأنظر الى القضية من وجهة اخرى فحمرنتي شيء اسلم به.
مسألة لا اناقش فيها فأنا لست سوى مستخدم بسيط يقضي ايام حياته من البيت الى العمل وبالعكس وفي خمسة من بداية كل شهر يفرغ جيبه وما تبقى من الايام يقضيه عدا بين السبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت انتظارا لمطع الشهر الجديد اقتل اليوم بتوقع اليوم الذي سيأتي ذلك هو الفرق بين حمارهم وحماري.

ودخلت زوجته تحمل صينيه عليها ادوات الشاي، اسر لنفسه ليس هناك اطيب من قدح شاي بعد يوم لعين في الباخرة بين العمال.
-انتبه على الاكياس.
-هذا سكر وليس تراباً.
-العمى هذا مال كفار.

وانفتق كيس فاندلق السكر المحمول بالرافعة من قلب العنبر الى الماعونة شلالا حليبيا ابيض ومزق عامل كيسا بالسكين من اجل حفنة سكر وضعها في فمه وانهال السكر على ارضية العنبر.

حملت زوجته ابريق الشاي وضعته فوق وابور الكاز فتغير هجيره وصار الطف. استند بظهره الى جسم الصوفا القائمة خلفه. بدأ يدب في اوصاله دفء خفيف، الغرفة سفينه تعلو تنخفض في حركة ايقاعية. اطبق عينيه كان تعب النهار قد انحل الى اعياء وفي لحظة بسط له النوم جناحيه وحين هم بحمله والارتفاع به اجفل وقد حسب نفسه سقط من شاهق فتح عينيه احس برعدة فانكمش في ثيابه. انزلت زوجته ابريق الشاي عن النار فارتفع هدير وابور الكاز وعاد الى سابق عهده وضعت الابريق على الارض جرَّت نحوها صينيه عليها علبتان معدنيتان وقدحان اخذت من احدى العلبتين قدرا من الشاي وضعته في الابريق ثم اعادت الغطاء فوقه انتشرت رائحة الشاي وعبق بها انف الرجل.

فكر في نفسه ليس هناك اطيب من قدح الشاي الساخن وسيكارة استوى قاعدا قال:
-لعلي غفوت.
وتناول لفائفه نظرت زوجته الى منبه قام فوق طاولة قالت:
-انها الثانية بعد منتصف الليل.

قال في نفسه يا له من يوم، ومرت في خياله احداث نهاره ما من شيء اطيب من قدح شاي وسيكارة بعد يوم شاق فردت زوجته القدحين الزجاجييتين كان احدهما فوق الاخر فتصاعد من احتكاكهما قرقعة ضاحكة صبت الشاي في القدح الاول فتصاعد البخار وانتشرت الرائحة الطيبة وملأت القدح الثاني.

اخذت الزوجة احدى العلبتين المعدنيتين واخذت بالثانية ملعقة استعانت بالملعقة على فتح غطاء العلبة وما ان رفعت الغطاء حتى تسمر بصرها في قاع العلبة تورد خداها قليلا ظلت نظرتها مثبته في قاع العلبة اخذ الرجل سيكارة من علبة لفائفه وقال:
-الا نشرب شاي؟
ابتسمت الزوجة ابتسامة شاحبة ومدت له العلبة استقر بصره في قاع العلبة ابتسم بدوره وقال:
-غير معقول
واتسعت ابتسامته
اطنان من السكر
ومر في خياله كل السكر المهدور في البحر وعلى ظهر الباخرة وفي العنابر والمواعين عدا الذي نهبه الاخرون.
-غير معقول
وضحك ضحك في البداية من حلقومه موجة اثر موجة ضحكا غريبا جافا لا روح فيه ولا نداوة ثم استقام ضحكة واستمر الوابور المشتعل يهدر وبخار الشاي يتصاعد من قدحين مليئين لم يمسا ذكيا ومعطرا واستمر هو في الضحك ودمعت عيناه
.

4 comments:

Anonymous said...

خبرتني أحلام دات رواية أن "أجمل الحب حب نعثر عليه اثناء بحثنا عن شيء آخر".. الأمر داته يحدث لي اللآن مع مدونتك ال-تنافس زهر اللوز روعة.. فرغت مند أيام من التهام ديوان العزيز درويش "كزهر اللوز او أبعد".. كنت الآن في خضم البحث عن مقالات نقدية للديوان, فاصطدمت صدفة بمدونتك.. لم أجد فيها أثرا للجدارية ملحمتي الفضلى, لم؟ لست أدري.. ! لك مني أعبق التحايا متمنيا في دات الوقت أن انال شرف التعرف على عاشقة شاعري المبجل..

حنينْ said...

السلام عليك من ربْ رحيم

مساءك / صباحك كـ عبق الأٌمنيات والآمال المُتحققه
رأيت بريق حرفك و أملك لك إنتماء / إحتواء
نُقيم فيه أفكارنا التي لم نجدها بعد

هنا
http://www.e7twa.com/vb/index.php
أو
http://www.e7twa.com/

سمر الشيخ said...

:

هذه المدونة بحر من المشاعر


سمر

Unknown said...

هلئ اتذكرت هالقصة وبحثت عنها وهي من اجمل القصص الي بذاكرتي