Saturday, February 23, 2008

عن الحب...

أعتقدُ أنِّي لاحظتُ من قبلُ أنَّ الحبَّ شديد الشبهِ بجلسةِ تعذيبٍ أو عمليةٍ جراحية. لكن هذه الفكرةُ قابلةٌ للتطوير بأكثر الأساليبِ مرارةً، فحتى إذا كان العشيقانِ متيمين ومفعمين بالرغبةِ المتبادلة؛ فإنَّ أحدهما سيكون دائماً أكثر هدوءاً وأقلَّ تفانياً من الآخر.
أحدهما سيكون الجراح أو الجلاد، أما الآخر فهو الموضوعُ أو الضحيَّة. هل تُنصتون إلى هذه الأنات، هذه الحشرجات، هذه الصرخات؟ من الذي لم يُطلق مثلها؟ من الذي لم يعمل جاهداً على ابتزازها؟ وهل ترونَ ابشعَ من هذا في الاستنطاقِ الذي يُمارسُه مُحترفوا تَعذيبٍ مَهرَةٍ؟ عُيونُ الْمُرَوْبِصِ تلكَ المقلوبة، وهذه الأطرافُ التي نتأت وتصلبت كما لو أن تحتها بطارية كهربائية، لا السكرُ ولا الهذيانُ ولا الأفيونُ في أشدِّ الحالاتِ عُنفاً، باستطاعتهِ مَنحَنَا نماذجَ أكثرَ بشاعة وغرابة.والوجهُ البشري الذي ظنه “أوفيدُ” مخلوقاً كي يعكسَ النجوم، ها هوَ لا يُعبِّرُ إلا عن ضراوةٍ مجنونة، بل ها هوَ يَرتخي فيما يُشبهُ الموت، إذ أنِّي سأرتكبُ ذنباً حقاً لو أطلقتُ كلمةَ نشوةٍ على ما أشبهُ بالتشنُّج...
لُعبةٌ فظيعةٌ تلك التي لابدَّ لأحدِ لاعيبها من أن يَفقدَ عنان ذاته.طُرحَ أمامي ذاتَ مرةٍ سؤالٌ عمَّا يُمثلُ أكبرَ متعةٍ في الحب. فأجابَ أحدهم بعفوية: أن تأخذ. وأجابَ آخر: أن تهبَ نفسك. قالَ هذا: مُتعةُ كبرياء، وقالَ الآخر: لذةُ خضوع.كانَ كُلٌّ من هؤلاءِ البذيئينَ يتدثُ على طريقةِ ” مُحاكاة يسوع المسيح”. وأخيراً وُجدَ طُوباويٌّ وَقحٌ ليؤكدَ أنَّ أكبرَ مُتعةٍ في الحبِّ، هي: أنْ تُنتجَ مواطنينَ للوطن..!
أما أنا فأقول: الَّلذةُ الوحيدةُ والقصوى للحبِّ تكمنُ في اليقينِ بإتيانِ الشرِّ.الرجلُ والمرأةُ يَعرفانِ مُنذُ الولادةِ أنَّ الشرَّ مَكمنُ كُلِّ لذةٍ.


——–* بودلير . اليوميات . صواريخ 3ت آدم فتحي.

Thursday, January 31, 2008

الضحك في آخر الليل

الضَّحك في آخرِ الليلْ /قصة لعبد الله عبد/كاتب من سورية

لم تستقبل أنفه حينما ولج باب البيت شأنه دائماً عندما يكون الطعام بطاطا، رائحة الزيت والثوم والكزبرة والبصل. عندها فكر بما كانت زوجته قد هوَّت البيت. واجتاز العتبة فانحرفت الزوجة التي كانت واقفة تمسك مقبض الباب لتفسح له الطريق.
كان المدخل معتماً إلا من النور الذي كان يتسلل إليه من الغرفة الداخلية المضاءة.
استطاع أن يلاحظ هيئة زوجته التي رفعت يدها إلى جبينها في تلك اللحظة.

كانت بثياب المنزل العادية فقدر أنها لم تأو إلى فراشها وأنها كانت لا تزال يقظى تنتظره.
قال:
-ألم تنامي بعد؟
قالت:
-انشغل فكري قلقت فلم استطع النوم.
قال:
-ليس هناك ما يوجب القلق.

ومد يده ليغلق الباب وراءه فلمس يد زوجته التي كانت لا تزال تمسك مقبض الباب احس بها يداً دافئة.أبعد يده حالا لكنه مع ذلك شعر بها وكأنها أجفلت من لمسته.
قالت المرأة: قلت الدنيا برد وثيابه خفيفة فلم أستطع النوم.
قال الرجل:
لم يحدث البرد إلا في الليل، في النهار كانت الدنيا دافئة ما ان هبط الليل حتى انصبَّ البرد دفعة واحدة. اين كان مخبوءاً وما هذا البرد اللعين، انتظر حتى غطست الشمس في البحر ثم اندفع شرقيا صامتا مثلجا.
واغلقت المرأة الباب بهدوء وفي فكرها قالت ما ابرد يده انا لم ارَ في حياتي يدا بهذا الشكل.
واستدارت لتلحق بالرجل الذي تقدمها في مدخل البيت.

كان يخطو بهدوء ومن خلفه سارت المرأة في غبش ممر البيت تصغي اليه، كان يتكلم برداً، كان البرد يقطر منه ومن كلماته من خطواته، كان يبدو وكأنه يحمل البرد على ظهره الذي ناء تحت ثقله وكانت رقبته غائصة بين كتفيه قال:
-ثيابي ليست خفيفة لكني لم اعمل حسابي لمثل هذا البرد، في المرة القادمة...
ولم تنتظر المرأة لتسمع اكثر فاندفعت قائلة:
-وهل ستكون هناك مرة قادمة، الا يوجد موظفين غيرك؟
قال:
- بلى يوجد كثيرون لكن كان ينبغي ان ينزل واحد منا فنزلت انا، كان يجب ان يكون هناك مندوب عن المؤسسة ليراقب تفريغ شحنه السكر فوقع الاختيار علي.
وفكر: وقع عليك الاختيار لتشهد تفريغ مئتي طن سكر ولتقاتل مع العمال ليحافظوا على اكياس السكر من التمزق وكي لا تتعرض للنهب ولتصاب انت بكل هذا البرد اللعين وبالجوع والدوار والصداع والعطش.
ووصل الى الغرفة المضاءة فبدا الرجل في النور وجه نحيل اغبر اللون مزرق من البرد متعب غير حليق خفيف شعر الرأس مشعثه صغير الجسم.
واسرعت زوجته فسوَّت غطاء الصوفا ومسدته بيديها ثم مضت الى مشجب علقت عليه ثياب .كان الرجل لا يزال واقفا في وسط الغرفة يداه في جيبه.

وادار نظره عجلى حوله.كان ثمة سريران متقابلان في البيت احدهما انحشر فيه اولاده الثلاثة وقد استغرقوا في النوم. منذ زمان كان يتمنى ان يكون لأولاده الثلاثة اسرتهم الخاصة وغرفتهم الخاصة ولكن العين بصيرة واليد قصيرة كما كان يقول لزوجته .اما السرير الثاني فينام عليه الزوجان.
وتعثرت عيناه بصوبيا اسطوانية منطفئة ولعله كان يبحث عنها دون ان يدري كان يعلم ان مخزونهم من المازوت قد نفذ منذ يومين لكنه كان يتوقع ان يراها مشتعله بقدرة قادر ربما لأنه يحس ببرد شديد وربما بحكم العادة او لأن الصوبيات من المفترض ان تكون مشتعلة في الشتاء.

وفي ثانية اطفأ الصوبيا التي اشعلها في رأسه، وهو هناك في البحر جوعان وبردان وعطشان .كما اطفأ ذؤابة شعلتها الزرقاء المتراقصة. ومحا ظلالها التي رسمها على الجدار.
وقدمت له زوجته منامته التي حملتها من اقصى الغرفة وقالت: الا تخلع ثيابك؟.
قال :كلا ليس قبل ان ادفأ لكني اريد ان اكل انا جائع.
وبحث انفه عن رائحة البطاطا المقلية بالزيت والبصل والكزبرة والثوم.
وقال: لكن سأغسل يدي اولا.

وخلع ممطره والقاه على طرف الصوفا ثم مضى الى المطبخ. وسمعت المرأة من مكانها في وسط الغرفة انفتاح صنبور الماء وقرقعة مائه المتساقط. قالت المرأة في سرها: انا لم ارَ انسانا بردان على هذه الصورة، وخطرت لها فكرة فمضت الى المطبخ قالت يجب ان احضر له الطعام قبلا. غسل الرجل يديه ثم جففهما بفوطة وعاد الى الغرفة جلس على الصوفا ووضع يديه بين فخذيه ليدفئهما وانشأ ينتظر. بعد قليل دخلت المرأة تحمل بين يديها صينيه عليها صحاف الطعام قالت:
-هل اضعهما على الصوفا؟
قال :
-ضعيها على الارض افضل.

وضعت المرأة الصينية على الارض ولم يلبث الرجل ان هبط عن الصوفا وجلس على الارض متربعا وكان تحت بساط رقيق فشعر بالبرودة تسري في مؤخرته القى نظرة سريعة فوق الصينية كانت هناك بطاطا مسلوقة وزيتون وبصلة مملحة ورغيف خبز عادت المرأة الى المطبخ قال الرجل في نفسه متأسفا: طول النهار وانا احضر شهيتي للبطاطا المقلية بالزيت والبصل والثوم والكزبرة و ما من شيء يحدث كما تريد لكنني جائع سآكلها مسلوقةوان كنت افضلها بالطريقة الاخرى. واقتطع مزقة خبز وبدأ يأكل دفع الى فمه لقمة خبز اولا ثم اخذ حبه بطاطا بعد ان ملحها وقضم منها قضمة تبعها بحبة زيتون ورقيقة بصل.

كانت الارض والجدران والسقف تهتز به في حركة موجية ايقاعية. وكان يحس دوارا خفيفا والتقم لقمة اخرى وطيبهابرقيقة بصل .
سمع قرقعة بابور الغاز كانت قرقعة سريعة وعنيفة وتبعها هدير اشتعال سريع قال في نفسه "الف مرة قلت لها خذي حذرك من وابور الكاز احقنيه بلطف العنف والضغط الكثير يفجره".
ومضغ طعامه بقابليه وصمت وفي فكره قال لا اظن ان الوقت مناسب لتطبخ شيئا في هذه الفترة من الليل لعلها تسخن لي ماء للاغتسال انا لا احب الاغتسال في البرد ساقول لها اني بردان واصغى بانتباه لم يسمع قرقعة برميل الاغتسال ولا تساقط الماء فيه قال لعلها تحضر الشاي قدح شاي مع الطعام يساوي الدنيا وما فيها في هذا البرد وماهي الا لحظات حتى تغير وقع الهدير في اذنيه ثم اقترب اكثر ودخلت زوجته تحمل بيدها وابور الكاز الهادر ودهش لحظة ولم يلبث ان فهم ثم تأكد عندما وضعت الوابور صوبه، ايام الشتاء منذ زمان بعيد عندما كان صغيرا هو واخوته كانت امهم تلجأ الى هذه الطريقة حين يخلو البيت من الفحم والحطب واي شيء يشعل كانت تشعل الوابور وتضع فوقه صفيحة معدنية ثم تجمع الاولاد المرتجفين من حوله والان بعد مضي زمان طويل تأتي هذه المرأة الغريبة التي كانت تجهل حيلة امه تأتي وتفعل الشيء نفسه .
فكَّر وهو يلوك طعامه واسرَّ لنفسه كل الفقراء يلجؤون الى بوابير الكاز عندما يعضهم البرد. ورأى في وجه امرأته صورة امه وفي اولاده اخوته وفكر لو لم يكونوا الآن نياماً لتحلقوا حول وابور الكاز الهادر. وهلع قلبه من المستقبل الذي ينتظر اولاده وفكر لكأن الزمن يراوح في مكانه وكأن شيئا لم يحدث على هذه الارض.

قالت المرأة فكرت ان ذلك يدفيء قليلاً.
وهز برأسه موافقا وقعدت المرأة قبالته واستمر في التهام طعامه.
قال: لم تطبخي بطاطا بالزيت.
قالت: طلبت من السَّمان بعض الزيت على الحساب فرفض، وقال لي ما من طلعة الا وبعدها نزله، مرة طلبت من زوجك اربع خمس تنكات زيت نباتي فرفض .لماذا لم تعطه الزيت الذي طلبه؟
قال: كان سيبيعه في السوق السوداء، لم يكن الزيت للباعة كان الامر يقضي ببيعه للمستهلك مباشرة.
قالت المرأة بعد تردد:
لن اتعامل معه بعد اليوم، قال لي زوجك سيموت من الجوع ويميتكم معه فهو لم يتعلم من الحياة شيئاً، قلت له استفد وافد غيرك يا رجل خذ واعط الحياة اخذ وعطاء لكنه ركب رأسه وصم اذنيه فلم يصغ لي.

وتابع ازدراد طعامه بصمت وفي فكره عاد الى تلك الايام التي كان يوزع فيها الزيت النباتي للمستهلكين مئات الكيلوات وزعها طن طنان ثلاثة، وقتها لم تكن هناك بطاقات ولا قيود تلزمه بتقديم كشوف بالتوزيع وقد سعت الثروة اليه انئذ، ساقها اليه غير تاجر من تجار السوق السوداء لو شاء لصار من الاغنياء ولودع حياة الفقر والعوز حدث ذلك في وقت كانت الصفائح الفارغة والطناجر والدلاء وغيرها من الاواني ترتفع اليه بتوسل والحاح من اجل شيء من الزيت وكانه اله يهب الرحمة والحياة، كان عليه ان يختار ان يخيب رجاءها او يرفض الثروة وقد اختار الامر الثاني ركل الثروة بقدمه وملأ الاواني الفارغة المرفوعة اليه بالزيت.
حمار! قال غير واحد ممن سمعوا بقصة الزيت وغيرها، واضافوا الحمير وحدهم لا يفكرون في غدهم.
خطر له ذلك في نفس الوقت الذي حملت فيه زوجته صينيه الطعام بعد ان انتهى من تناول وجبته ومضت بها الى المطبخ وفكر قد اكون حمارا كما يقولون لكني لا اشبه حمارهم بالتأكيد.

وضحك في سره واضاف بالعربي الفصيح هم يعتبرونني حمارا لاني لم اغتنم الفرصة ولم ابع المواد التموينية لتجار السوق السوداء اما انا فأنظر الى القضية من وجهة اخرى فحمرنتي شيء اسلم به.
مسألة لا اناقش فيها فأنا لست سوى مستخدم بسيط يقضي ايام حياته من البيت الى العمل وبالعكس وفي خمسة من بداية كل شهر يفرغ جيبه وما تبقى من الايام يقضيه عدا بين السبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت انتظارا لمطع الشهر الجديد اقتل اليوم بتوقع اليوم الذي سيأتي ذلك هو الفرق بين حمارهم وحماري.

ودخلت زوجته تحمل صينيه عليها ادوات الشاي، اسر لنفسه ليس هناك اطيب من قدح شاي بعد يوم لعين في الباخرة بين العمال.
-انتبه على الاكياس.
-هذا سكر وليس تراباً.
-العمى هذا مال كفار.

وانفتق كيس فاندلق السكر المحمول بالرافعة من قلب العنبر الى الماعونة شلالا حليبيا ابيض ومزق عامل كيسا بالسكين من اجل حفنة سكر وضعها في فمه وانهال السكر على ارضية العنبر.

حملت زوجته ابريق الشاي وضعته فوق وابور الكاز فتغير هجيره وصار الطف. استند بظهره الى جسم الصوفا القائمة خلفه. بدأ يدب في اوصاله دفء خفيف، الغرفة سفينه تعلو تنخفض في حركة ايقاعية. اطبق عينيه كان تعب النهار قد انحل الى اعياء وفي لحظة بسط له النوم جناحيه وحين هم بحمله والارتفاع به اجفل وقد حسب نفسه سقط من شاهق فتح عينيه احس برعدة فانكمش في ثيابه. انزلت زوجته ابريق الشاي عن النار فارتفع هدير وابور الكاز وعاد الى سابق عهده وضعت الابريق على الارض جرَّت نحوها صينيه عليها علبتان معدنيتان وقدحان اخذت من احدى العلبتين قدرا من الشاي وضعته في الابريق ثم اعادت الغطاء فوقه انتشرت رائحة الشاي وعبق بها انف الرجل.

فكر في نفسه ليس هناك اطيب من قدح الشاي الساخن وسيكارة استوى قاعدا قال:
-لعلي غفوت.
وتناول لفائفه نظرت زوجته الى منبه قام فوق طاولة قالت:
-انها الثانية بعد منتصف الليل.

قال في نفسه يا له من يوم، ومرت في خياله احداث نهاره ما من شيء اطيب من قدح شاي وسيكارة بعد يوم شاق فردت زوجته القدحين الزجاجييتين كان احدهما فوق الاخر فتصاعد من احتكاكهما قرقعة ضاحكة صبت الشاي في القدح الاول فتصاعد البخار وانتشرت الرائحة الطيبة وملأت القدح الثاني.

اخذت الزوجة احدى العلبتين المعدنيتين واخذت بالثانية ملعقة استعانت بالملعقة على فتح غطاء العلبة وما ان رفعت الغطاء حتى تسمر بصرها في قاع العلبة تورد خداها قليلا ظلت نظرتها مثبته في قاع العلبة اخذ الرجل سيكارة من علبة لفائفه وقال:
-الا نشرب شاي؟
ابتسمت الزوجة ابتسامة شاحبة ومدت له العلبة استقر بصره في قاع العلبة ابتسم بدوره وقال:
-غير معقول
واتسعت ابتسامته
اطنان من السكر
ومر في خياله كل السكر المهدور في البحر وعلى ظهر الباخرة وفي العنابر والمواعين عدا الذي نهبه الاخرون.
-غير معقول
وضحك ضحك في البداية من حلقومه موجة اثر موجة ضحكا غريبا جافا لا روح فيه ولا نداوة ثم استقام ضحكة واستمر الوابور المشتعل يهدر وبخار الشاي يتصاعد من قدحين مليئين لم يمسا ذكيا ومعطرا واستمر هو في الضحك ودمعت عيناه
.

Monday, December 31, 2007

أرجوحة حلمي



أرجوحة حلمي
ندىً تحت عينيكِ .. لا ليس دمعا
و عيناكِ نافذتان لعمري
و مشرقتان على ما أضعتُ

أضمّكِ ضمّة وردٍ و أغفو
و أنتِ البعيدة
تلوحين لي حين أشردُ
حين أحنُّ ..
و حين أبوح ...
و يفضحني العشقُ حين القصيدة
و خاطرتي إذ تناهت إليكِ
أنا الماءُ يصفو ..
و ذاكرتي رفُّ طير الحمام
على شجرٍ منك غفَّ و حام
على شجرٍ منك عشاً سيبني
و يفرشُ عشباً به و ينام

أمطرتي في الشتاء البخيل
أواهبتي الشعرَ كالسلسبيل
تضوعين بالعطر لو مرَّ قلبي
فيورقُ جفنٌ و يحيا قتيل

و تعرفكِ الآن ألفا مدينة
مررتُ بها و تركت الأنين
مصابيح تلك الشوارع تعرفُ
خطوَ صبيٍّ أليفٍ يغني
و حانات تلك المدائن تعرفُ

بحرٌ هنا ..
أو رصيفٌ هناك ..
هنا الكُل يعرف أني نَحُلتُ
و قلتُ كلاماً يليقُ بطائر

و أنت البعيدة ..
تلوحين لي حين أشردُ
حين أحنُّ و حين أبوحُ

و يفضحني العشقُ حين القصيدة ..


سميح شقير
من ديوان نجمة واحدة

Friday, November 23, 2007

Thursday, July 05, 2007

سقف الكفاية


مكان فسيح وناس كثر جالسون، وكأنه عرس.
ألبس فستاناً أبيض، لون البنفسج يشف من تحت بياضه.
أرقص بخجل بادٍ للعيان، ثم أكف عن الرقص لأبدأ بالغناء( بعيد عنك حياتي عذاب...)
أصعد سلماً خشبياً، درجاته تكاد تقع، غير مثبتة جيداً، أرغب في الهبوط، فيتملكني ذعر وهلع كبيرين، أستنجد بأمي وأناديها بصوت عال أشبه بالصراخ، فتجيبني بصوت لا مبال ولا تهب لنجدتي ومساعدتي، فقط تقول: بإمكانك النزول بمفردك...
ينتهي ما رأيت هنا، عندما يرن هاتفي مبشراً بوصول رسالة منك، رسالة جوابية على رسالتي التي بعثت بها إليك ليل البارحة.
كان صباحا يمكن وبكامل الرضا وصفه بالإيجابي، على الأقل.
شرد ذهني معك، و لم أكن بعد قد غادرت سريري، غير أن الحلم أخذني منك ورحت أفكر فيما رأيت، هو واضح في بعضه، ولن أحتاج لا لابن سيرين، ولا لفرو يد أيضا كي أفسره.
ولشدة وضوحه فاجئني، فستان عرس...، لون البنفسج هو لون غلالة مها* تلك التي استقبلت بها ناصرا* في أول مرة يدخل غرفتها، الأغنية والسلم الخشبي ودرجاته الآيلة للسقوط، أشياء لم أفهمها تماما! أما أمي فكانت مثلها هي في الواقع ، وهذا ما أشعرني بالخيبة، كنت آمل أن تكون أكثر رقة وحنانا، على الأقل في منام.

لم أذهب إلى العمل اليوم، هو يومي الثالث في البيت، ليست إجازة صيف، ولا الغرض منها فسحة، أو ربما تكون فسحة أمل.
فقدت طاقتي وما عاد بإمكاني الذهاب، أحس بأني في كل يوم أدفع حجرا أثقل من صخرة سيزيف، الجبل الذي أصعده أنا أكثر وعورة من جبله ويبدو كأنه جدار وليس جبلا.
ليس بمقدوري أن أكمل شهرا دون أن آخذ نفسا، ولو واحداً قبل أن أعاود المواصلة، وإلا اختنقت سأما وقرفا ونزقا.

في هذه الأيام شهيتي مفتوحة على القراءة، بي جوع لا أجد طريقا لإشباعه إلا بها، ودوما أجد أن ما ينقصني الكثير، أحيانا أحس بأن الركب قد فاتني وما عاد بإمكاني اللحاق به.
لأن هناك أوقات تمر علي أشعر فيها بعبثية كل شيء، حتى القراءة، فأكف عنها ربما احتجاجا على كل أسباب الكآبة المتوفرة كثيرا في أيامنا هذه.
أراجع نفسي وأعلم بأني أنا الخاسرة إذ أفارقها، فأعود إليها بشوق أكبر.
لكن ليس في رصيدي إلا قراءات قليلة لما كتب باللغة العربية، والرصيد الأكبر لما هو مترجم.
هل كان هذا صدفة أو مقصودا، ربما الاحتمالين معا.

منذ يومين وبينما أنا أتصفح بعض المنتديات التي تعنى بالأدب والكتاب، في نيتي البحث عن كتب الكترونية، الآن وقد صار عندي طابعة في متناول يدي: فأنا وبعد محاولات يائسة لم أستطع التأقلم مع القراءة عبر شاشة الكمبيوتر.
القراءة والكتابة: ورق وقلم، كتاب ودفتر.
أو أنها حاسة اللمس...!
صادفت( سقف الكفاية)...
لفتني أولا أنها رواية لشاب في مقتبل العمر من المملكة العربية السعودية:
محمد حسن علوان، الذي كتب روايته هذه في العام2001 أي عندما كان عمره ثلاثة وعشرون عاما فقط.
ولفتني أيضا الكثير مما كتب عنها من نقد، ايجابي وآخر يخالفه الرأي...
قررت أن أدشن بها طابعتي الجديدة.
لست أدري ما بإمكان لغتي المتواضعة أن تفصح عنها، لقد أنهيتها للتو وبي رغبة لمعاودة القراءة مرة من جديد.
رواية أخذتني ثلاثة أيام موصولة بلياليها، لم أعرف النوم معها إلا ساعات معدودة.
ما يدهش لدى محمد حسن علوان هو لغته الساحرة حد الإبهار، والتي أغبطه عليها.
ليال طويلة بكيت فيها مع ناصر، حزينة على حزنه، وحزني، وامتزجت دمعتي معه بدمعتي علي حتى لا تستطيع أن تفرق الدمعتين.
أحببته، ووجدت بيني وبينه تشابها حتى في عادته السيئة وهو يأكل لحم أصابعه الميت حتى تدمى بألم.
قالوا كثيرا عن الرواية ومنهم من بالغ في ظلم كاتبها.
قالوا مثلا أنها لا تملك مافي الرواية من حبكة، لست ناقدة للأدب، ولكن ومع الأخذ بالحسبان عمر الكاتب وكونها تجربته الأولى، فقد رأيت فيها ما يشفع له كل ما قيل ويقال من نقد، الصور:
صوره التي لست أدري من أين يستنبطها خياله الرحب، فهي تأتيك من حيث لا تدري بهية تفاجئك بحضورها الفاتن.
لن أطيل ولن أعرف أن أقول ما يجزي هذا الكاتب حقه مهما قلت.
هي دعوة لقراءتها، وشكر عميق لكاتبها فمعه عشقت العربية أكثر..
وأشكر له شعورا جميلا افتقدته لأزمان، أعادتني إليه سقف الكفاية.
في قائمة الكتب التي تنتظر القراءة اليوم روايته الثانية صوفيا .


* ناصر ومها أسماء بطلي رواية سقف الكفاية .


Tuesday, June 19, 2007

أغنية الحافَّة

وَضَعَ قدمه على النقطة الأخيرة للحافَّة وراح يغنّي
لنسمة العدم الأولى التي ستمرُّ على جسده
وللفضاء الذي كان فارغاً
وسيمتلئ به الآن.

وَطَأَ على النقطة الأخيرة وراح يغنّي:
في الفجر تطلع الشمس وفي المغيب تغيب
والسنةُ فصولٌ أربعة
فيا للحياة الجميلة،
النهارُ ضوءٌ إنْ لم تكن غيوم
والليل عتمة
فيا للحياة الجميلة،
وللناس بيوت
والساكنون فيها مهما مشوا
لا يصلون إلى الباب
فيا للبيوت الجميلة.

وَضَعَ قدمه على الحافَّة وغنّى لمِزق ثوبه
التي لمح فيها ذات يوم ابتسامةً للفجر
وثغراً كاملاً للغروب
ولحياته التي رآها مثل حريق
شبَّ فجأةً في نزهة.

وَضَعَ قدمه على النقطة الأخيرة للحافَّة وراح يغنّي
للخطوة التالية.

للشاعر وديع سعادة من ديوانه:
تركيبٌ آخر لحياة وديع سعادة

Tuesday, May 29, 2007

كآبة

عندما تنطبق السماء المكفهرّة الثقيلة كالغطاء
على النفس الحزينة, فريسة السأم الطويل
وتلف كلّ دائرة الأفق بذراعيها
وتصب عليها نهاراً قاتماً أشد حزناً من الليالي
وعندما تتحول الأرض إلى سجن عَفِن
ويغدو الأمل وطواطاً يضرب الجدران بجناحيه
ورأسه بالسقوف المتداعية
وعندما يرسل المطر خيوطه الهائلة
مقلداً بها قضبان سجن واسع
وينسج شعب أخرس من العناكب الدنيئة
شباكه في تلافيف أدمغتنا
تفاجئنا دقات أجراس غاضبة
وتطلق نحو السماء عويلاً مخيفاً
عويل النفوس الهائمة بلا وطن
عندما تلجّ بالنواح والشكوى
وعندها تتتابع في نفسي أرتال متباطئة
من العربات الجنائزية
لا يتقدمها طبل ولا موسيقا
فالأمل يبكي مقهوراً
والقلق الفظيع المتجبّر
ينحني فوق رأسي ليغرس فيه
عَلمه الأسود
أزهار الشر-شارل بودلير

Friday, May 18, 2007

بِودّ

بينما كنت أنقب في الأرشيف من مطويات الهاوية السحيقة، وجدت مقالاً يتحدث فيه حارس الهاوية عن المجتمع السعودي ‏من خلال ما اختبره في العيش هناك مدة عشر سنوات من عمره.‏
هذا
المقال هو الذي أضاء لي ما أحب أن أقوله الآن:

إلى وقت قصير نسبياً كانت لدي صورة واحدة عن ‏المجتمع السعودي والخليجي بشكل عام، وشكلٌ واحد للإنسان الذي ينتمي إلى تلك المجتمعات، ربما تكمن السلبية في هذه الصورة في كونها وحيدة وتكوُّنها يعود إلى عوامل عدة.‏


‏ لا أبريء نفسي تماماً، لكن أيضاً كان للإنقطاع في التواصل بين الشعوب العربية دور كبير في عدم وجود ‏صورة أخرى إلى جانب هذه الصورة ة، التي هي تشبه إلى حد بعيد ما كنا نراه في الإعلام الغربي عن الصورة النمطية ‏لرجل النفط الخليجي.‏
هذه الصورة النمطية التي لم تكن أصلاً موجهة لنا، ساهمت وأثرت على أحكامنا من حيث لم ندري.‏
‏ القاعدة، وأسامة بن لادن والتطرف في التعصب أيضاً ...وأشياء كثيرة أخرى لا تنجو من تحمل مسؤوليتها ‏الحكومات العربية جميعها.‏


‏ لكن الذنب الذي أعيده على نفسي، هو أني اكتفيت بما وصلني ولم أحاول البحث عن رؤية أخرى عن صورة ‏مختلفة أخرى موجودة، بل مضيئة وباهرة في الحقيقة.‏
لقد انتظرت حتى وصلتني الصورة الجديدة...‏


حدث هذا بعد أن بات التواصل ممكناً عبروسائل عدة، منها الفضائيات، وهنا الفضل يعود في جزء كبير منه ‏إلى الإعلامي تركي الدَّخيل ، هذا الشاب الهاديء الذي أرى في عمله رسالة سامية، إذ يسلط الضوء في برنامجه ‏الأسبوعي (إضاءات )-والذي يبث على قناة العربية- على شخصيات وأفكار تنتمي إلى هذه المجتمعات في ‏منطقة الخليج العربي، لقد تعرفت من خلاله إلى أشخاص لهم من الأفكار المتنورة والجريئة ما لا يستطيع أي ‏واحد من مدعي التقدمية في بلدي أن يجرؤ على قوله!.‏
هناك أيضاً نافذة أخرى ألا وهي هذه النافذة التي تسمح لي بالتواصل معكم :أعني بها شبكة الإنترنت بشكل عام.‏
‏ وهنا أشكر الصدفة المحضة والأبواب التي قادتني إلى مدونات العديد من المدونين الشباب الخليجييّ المنشأ من ‏مثل
آشور و راشومون والكثير الكثير من أمثالهم في جمال اللغة والروح، إنهم أدباء بحق، وإني لأتوقع ‏لهم مستقبلاً زاهراً في مجال الكتابة فيما لو أرادوا السير فيه قدماً.‏
لا أخفيكم أني أصبت بالدهشة وبالخجل في آن معاً!!.‏
الدهشة من الجمال الذي كان خافياً عني سنين طويلة، والخجل من نفسي ومن الأحكام المسبقة تلك التي عليها ‏اللعنة.‏


لكم جميعا أيها الرائعون،

وِدِّي مع خالص الإعتذار...

Wednesday, May 16, 2007

عاداتٌ سيئةٌ



قالت إنَّ الحبَّ يشبهُ القمار
وإنها تخسر دائماً
قالت إنه عادةٌ سيئة
.لا تجرؤ على الشِّفاء منها

قالت إنها تخاف الضوء
رغم أن الليل الذي بذلته ليس قليلاً
تكتفي بوحدتها
ولا تبالي بالصُّحبة
لكنها تسقط من غيمتها
.كلما دلّها مطرٌ إلى أرضها

قالت إنها فتيّة عبثاً
ورقيقة رغماً عنها
لكنها تتظاهر بالقسوة
لأن الحنان كالحب
عادةٌ سيئة
ومثله ذلك الصمت
.ولن تقلع عنه أبداً

قالت إنها إمرأةٌ ضجرة
إنها أيضاً لا تصلح للنوم
لكنها تنام كي تظل شبيهةً بالجنين
.ِوتغمرها مياهُ الهاوية

قالت إنها إمرأةٌ متعبة
تنزف من نزقها كلّ يوم
.ولا تريد أن تبرأ

قالت إنها خاسرةٌ بالفطرة
خاسرة كي تستحق فوزها
قالت أخيراً إن الحياة عادةٌ سيئة
ًربما لن تشفى منها يوما
بشيءٍ من العزم
.وبنسيانٍ كثير


للشاعرة جمانة حداد
نقلاً عن الموقع الخاص بها

Friday, May 11, 2007

انطباعات



رذاذُ نيسانَ، ضحكاتٍ طفولية في ليلِ السَّامرين‏
فرَح ٌشقيٌ، يحلو لهُ السَّهر
.

ِالطلُّ الَّذي يهطلُ اليومَ-في أيَّار-

لهُ طعمُ الوجع

دافيءٌ، كالشَّوقِ إليكَ .
برفقٍ يتهادى منَ السَّماءمُتبعثراً

كما أنا ،
عندما لا يصلني بَريدُكَ ...