Friday, June 01, 2007

عَلى وشَكِ سَعادة


في الليلة التي أكملتُ فيها عامي الثالث والثلاثين، كنتُ أودُّ الحديثَ عن الكآبةِ التي انتابتني، عن الألم الذي أحياه، عن الأحلام التي تسرَّبت من بين أصابعي هكذا، هكذا، بكل بساطة.
عن حياتي، وأيامي التي هي أشبه بطرقات فأسٍ على رأسي، كل الأيام...
عن سُعال أبي الذي ينتظر موته في أي لحظة، وعن حماقةِ أمي وملاحقتها لي بلسانها الَّلاذع، وعن إحساسها المفقود بأي ألم تسببه لي كلماتها الجارحة.
عن وزني، عن ثقتي المفقودة بنفسي، وعن القطار الذي-ربما- فاتني أو- ربما- أنا التي فوَّته، وعما أحسُّه من وحدةٍ وحصار.
عن أوقاتي المقيَّدة بأوقاتِ الآخرين، وعن الانتظار الذي أصبحَ صنعتي، والحرفةُ التي أبرعُ فيها كما لم يفعل أحدٌ يوماً.
عن طموحي المكسور، ورغبتي في مترٍ مربع واحد يكون لي أنا-ربما يكون بديلاً عن حضن- بعيداً عن أي ضجيج أو نظرات ترنو إلي شزراً.
عن الهواء الذي يتناقص، عن اختناقي، واحتراق رئتي بالدُّخان الذي أنفثهُ بوحشيةٍ.
عن ثلاثة وثلاثين عاماً ضاعوا عبثاً، في سذاجات لا تنتهي، عن الصَّليب، وإكليلِ الشَّوك والخلِّ الذي ارتويه على عطشٍ.
عن يسوع الذي تركني، عن دموعي التي أعجب لها كيف ما زالت تنبع من المآقي.
أما حان موعد رحيلي أيها المصلوب؟ ألم يكن لكَ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً عندما صعدتَ إلى السَّماء؟

خذني إليكَ إذنْ، لا يَهم إلى يمينكَ أو إلى شِمالك، المهم خلِّصني من عذاباتِ الأرض كلِّها...
كان هذا بعض مما كنت أودُّ الحديث عنه في تلك الليلة، إلا أن ثمة انحرافاتٌ حصلت...

دوماً يأتي لينتشلني من العدم، ينقذني من تعذيبي لنفسي، ومن صراعٍ بين العقلِ والعاطفة.
هذا الصِّراعُ الدَّموي الذي ينتهي دوماً بسقوطِ العقلِ في يأسٍ وحَيرةٍ، ويستسلم أمامَ اندفاعِ عاطفتي المهووسة.
حقاً إني أشفق لحالك يا عقلي الصغير!


كنتُ قد تحدثتُ مع نفسيَ الأخرى واتَّفقنا آخرَ مرةٍ أن نكفَّ عن اقتحامِ أوقاتهِ، فهذا لا يجوز ويجب التَّروي دوماً، فأنا بالرَّغم من أني أشتاقُ للحديثِ معهُ وتغمرني سعادةٌ لا توصف بسماع صوته الرَّقيق، إلا أن الحزنَ رفيقٌ ملازمٌ لهذه السعادة.
فالحديث لا بد له أن ينتهي في لحظة ما، ضرورية...
لم ألتزم بالاتفاق وفي ليلةٍ، فجأةً وبغيرِ واردْ، أمسكتُ بالهاتف، غير أنه لم يُجبْ، كررتُ المحاولة مراراً ولم يستجب، إلا أني استمريت في المحاولة حتى التَّعب...
نمت وعلى مخدتي انهمرت دموع، دموع حزنٍ، لومٍ، أسىً وأسف.
غفوتُ وفي رأسي يصرخُ صوتٌ يقول: من أنتِ، لكي تكوني فكرة من أفكارهِ؟
وصوتٌ آخر يجيب: من هوَ، لكي يفعل بي ما يفعل؟


في اليوم التالي أي في يوم ميلادي، وبينما أنا أشغل نفسي بأمور الحياة اليومية كي أسْلو عن التَّفكير بهِ، وإذ هوَ يُناديني!
نعم، أنا على وشك أن أقول بأني سعيدة!
أسرقُ من السَّعادةِ بعض فُقاعاتٍ، تنفجرُ عندما يبدأ الشَّوق بإعمالِ أشواكه في قلبي، والشوق لا ينتظر طويلاً...

8 comments:

بعد الطوفان والجو شبورة said...

ثلاث و ثلاثون عاماً تقفين فوقهم فتبدين بديعة حقاً .. أمثالك كالخمر المعتق مر السنين يزيدهن بهاءاً و نضارة .. تستحقين ما بك من ألم مادمت تزدادين جمالاً و صدقاً كلما زادت معاناتك ..رائعة كتفاصيلك و حميمة ككلماتك ........... لمستنى بعمق

أماني said...

لو تعلم يا ياسر كم أسعدتني كلماتك الرقيقة...
أشكر لك عودتك التي تشعرني دوما بأن هذه المدونة ليست قبراً!
مودتي الصادقة
:-)

محمد سعيد said...

كل عام وأنت أقل ألماً ... وأكثر أملا
كل عام وأنت قريبة من ذاك الذي سيأخذك معه الى جهة ما ويخلصك من عذابات الأرض كلها .
وجدت نفسي هنا في كلماتك وكنت تكتبين ألمي من حيث لا تدرين .
ربما هو ألمنا كلنا نحن التعساء بأفكارنا وأحلامنا وخيباتنا .
تباً لك أيتها الخيبة .
تباً لك أيها الأمل الذي حكمنا به .
شكراً لأنني وصلت الى هنا ولا أعرف حقيقة كيف وصلت .
ربما الصدفة ولو أني لا أؤمن بها أبداً .
لك مني وردة وأغنية و بقايا أمل .

محمد سعيد

أماني said...

محمد... شكراً لأنك وصلتَ إلى هنا،
أي صدفة هذه وقد زرتُ مدونتك العابقة بقهوة درويش وولاء حبيبي وصوت فيروز؟
لا أؤمن بالصدف أيضا إنما أقول هي إشارات!
هل ينفع يا محمد أن نلعن الخيبة وننساق وراء أ مل أعمى؟
هداياك الجميلة عَنَتْ لي الكثير
كن بخير

محمد بوكحيل said...

وانت تحيين ليلة الدرى 33 من اعوام الحياة، التي عهدنا التمسك بذكرياتها ءمهما كانت تلك، الحروف الحمراء التي كتبت بها هذه الذيات فانها لا ولن تنسينا المصاغب التي لن تكون الافراح الا منخلالها،هذا مايدعوني رغم فارق السن والزمن وبعد المسافة وعدم التعارف ان اقول لك ليترجعي ثقتك يا زهرة اللوز والخياة جميلة وجميلة جدا.

أماني said...

ضيفي العزيز محمد بوكحيل
مرحبا بك
وألف شكر على كلماتك الدافئة
سعيدة بوصولك
من الجزائر
مودتي
والتحيات

Farfalla said...

الغالية أماني ،
حصادي ست وعشرون عاما ً مما كتبت ِ أعلاه .
مع فارق بسيط :
" غفوتُ وفي رأسي يصرخُ صوتٌ يقول: من أنتِ، لكي تكوني فكرة من أفكارهِـ
(م)؟
وصوتٌ آخر يجيب: من هـ(م)، لكي يفعلـ(وا) بي ما يفعلـ(وا)؟ "
لك ِ أن تتخيلي كل ما دونت ِ من ألم أعلاه ، مضاعفا ً أضعاف عديدة .. وما تجرها هذه الأضعاف من حسرة وضياع ، وازدراء لقلب وعقل وجسد .. كانوا الأجمل والأنقى يوما ً!
استمحيك ِ عذرا ً، مع كم ما قرأتني هنا .. كان لا بد من تعرية روحي هنا أيضا ً!
مودتي يا رقيقة ، كل عام ٍ وأنت ِ لـ"أماني" أقرب .

أماني said...

farfalla

للأسف فلغتي أعجز من أن تصف ما يتكدس في الروح من أحزان
هذه الروح التي قيد موت
يابى إلا أن يأخذها إربا
مدينة لإصغائك
كوني قريبة